محمد أبو زهرة
2858
زهرة التفاسير
ويقول تعالى : فَصَّلْناهُ بيناه ووضحناه ، وأتينا بفصوله كاملة على علم بل اشتمل عليه من معرفة بالشرائع وأخبار النبيين ، وتنبيه إلى أن يكون القرآن وآياته ، للدلالة على وحدانية اللّه تعالى لا شريك له ، وذلك كقوله تعالى : . . . كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ ( 1 ) أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ ( 2 ) [ هود ] ، ولقد قال تعالى في آية أخرى : . . . أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ . . . ( 166 ) [ النساء ] . وقد وصفه - سبحانه وتعالى - بوصفين جليلين : أحدهما - أنه هُدىً ؛ وذلك لأنه معجزة هادية إلى الحق وصدق الرسول ، وكل ما يشتمل هداية ببيان الشرائع والأحكام ، وما فيه مصلحة الناس في معادهم ومعاشهم ، وما فيه تنظيم جمعهم ، والسير بهم في سبيل الخير . وثانيهما - أنه رَحْمَةً لما فيه من أحكام كلها نفع وخير للمجتمع وفيها العدالة ، وهي الرحمة الكاملة بالمجتمع ، وفيه الأمانة وفيه شرعية القتال ، وفيه رحمة ودفع للفساد ، . . . وَلَوْ لا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعالَمِينَ ( 251 ) [ البقرة ] . وإن رحمة اللّه وهدايته وعلمه لا تؤتى أكلها إلا في قلوب مؤمنة غير جافية فهي التي ينبت فيها زرع الخير ويؤتى أكله ؛ ولذا قال تعالى : لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ . أي لناس من شأنهم الإيمان بالحق إذا جاءهم ، ومن شأنهم الإذعان للحقيقة ، يؤمنون بها إذا عرفوها ، وهناك قلوب جافية طمس عليها ، هي غلف لا يدخلها النور ، ولا تصل إليها الهداية ، وهذه ليس من شأنها أن تؤمن ، ولو جاءتها الأدلة واحد بعد الآخر ؛ لأن عليها غشاوة تمنع وصول النور ، فالذين يجدون الرحمة والهداية في القرآن هم الذين من شأنهم الإيمان بالحق إذا جاءهم ؛ ولذا عبر بالمضارع الدال على الاستمرار ، واللّه تعالى أعلم .